إحسان عباس ( اعداد )
45
شذرات من كتب مفقودة في التاريخ
والصبر والزهادة والعبادة وسموّ الذكر ، منزلتهم في الدنيا والآخرة عظيمة ، ومواقع منافع الإسلام وأهله بهم حسنة جسيمة ، يفتخر بذكرهم عند القراء ، وتستنزل بهم بركات السماء ، منهم ابن أبي قباس ، وكان من فرسان المحراب . حدثني أبو حفص عمر بن أحمد البروجردي المقرئ ، شيخ عابد فاضل ، قال : حدثني أستاذي السوسنجردي أن ابن أبي قباس كان إذا قرأ في محراب طرسوس سمعت قراءته في سوق الصفّارين ، وكان إذا خطب حيّر السامعين وألهى المحزونين . وحدثني أحمد بن هارون الكوفي ، كهل من أبناء طرسوس ، ووجوهها ، قال : حدثني أبي قال : كتب السلطان قديما إلى الأقاليم بسبّ ابن طولون ، فسبّ على منبر طرسوس على لسان ابن أبي قباس كما سبّ بكلّ مكان ، وحج ابن أبي قباس فسلك الركب الذين كانوا معه طريق مصر فدخلوها في شهر رمضان ، وكان يصلّي بابن طولون عشرة أئمة كلّ واحد منهم تسليمة واحدة ، فصار ابن أبي قباس إلى دار ابن طولون فدخل في جملتهم ، ووقع للحجّاب والبوابين أن ابن أبي قباس أحد العشرة المرسومين للصلاة ، فلما أقيمت تقدّم ، وكلّ واحد من العشرة يحسبه يصلّي عن إذن ومؤامرة ، ومنهم من يحسبه أحدهم ، فافتتح فقرأ فحيّر السامعين شجى وطيبا وتمموا صلاتهم ، فلما أرادوا النهوض للتراويح سألوه أن يصلي ترويحة ففعل ثم أخرى ثم أخرى حتى فرغ من جميعها ومن الوتر ، وانصرفوا ولم يصلّ أحد من العشرة فرضا ولا نافلة ، فسأل ابن طولون حجابه عنه فقالوا : ما نعرفه ولا رأيناه قبل وقتنا هذا ، وقال بعضهم : ما ظنناه إلا واحدا من العشرة المرسومين بالصلاة ، فتقدم ابن طولون إلى الحجاب إن عاد ألا يحجب ، فعاد لليلته المقبلة وتقدّم وصلّى ، فلما أراد الانصراف استوقفه الحجاب وسألوه من هو ومن أين هو ، فما أجابهم ، فردّ إلى ابن طولون ، فخاطبه وسأله عن اسمه ونسبه فقال : أنا ابن أبي قباس ، فسرّ به سرورا عجيبا ، وأمره بالصلاة به ما بقي الشهر وحده ، وأمر بسبّه بحيث يسمع كما سبّه على منبر طرسوس ، فاستعفاه فأبى عليه ، واستعفاه فما وجد له منه محيصا ، وسأله الأمان فأمنه وقام فخطب ، فلما وصل إلى حيث يسبّ رخّم واختصر ، فحتّم عليه ألا يغادر من السبّ حرفا واحدا إلا لفظ به ، ففعل ، وأتى عليه عن آخره ، فأمر له بألف دينار وزوّده إلى مكة وحمله ، فحجّ وعاد إلى طرسوس شاكرا لابن طولون حامدا .